السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

345

مفاتيح الأصول

على خبره فأما إذا لم يكن كذلك ويكون ممن يرسل عن ثقة وغير ثقة فإنه يقدم خبر غيره عليه وإذا انفرد وجب التوقف في خبره إلا أن يدل دليل على وجوب العمل به فأما إذا انفردت المراسيل فيجوز العمل بها على الوجه الذي ذكرناه الثامن عشر قال الشهيد الثاني في الدراية وطريق ما يعلم به الإرسال في الحديث أمران جلي وخفي فالأول بعدم التلافي بين الراوي والمروي عنه إما لكونه لم يدرك عصره أو أدركه لكن لم يجمعها وليست له منه إجازة ولا وجادة ومن ثم احتيج إلى التاريخ لتضمنه تحرير مواليد الرواة ووفاتهم وأوقات طلبهم عنه بصفة يحتمل اللقاء وعدمه ومع عدم اللقاء كعن فلان وقال له من فلان كذا فإنهما وإن استعملا في حاله يكون قد حدثه يحتملان كونه حدث غيره فإذا ظهر بالتثبت كونه غير راو عنه يبين الإرسال وهو ضرب من التدليس انتهى مفتاح إذا وردت رواية ضعيفة غير جامعة للشرائط التي ذكروها في حجية خبر الواحد ولا صالحة لإثبات وجوب ولا حرمة وكانت دالة على استحباب فعل أو كراهته ولم يكن هناك احتمال حرمته ولا وجوبه وكان الأمر دائرا بين أحد الأمرين والإباحة فهل يجوز الحكم بها بمجرد تلك الرواية يعلم بكذبها وكونها موضوعة فيجوز التسامح في أدلة السنن والكراهة أو لا بل يشترط في إثباتهما ما يشترط في إثبات الواجبات والمحرمات اختلف الأصحاب في ذلك على قولين الأول أنه لا يجوز إثبات الاستحباب والكراهة بمجرد الرواية المفروضة وهو لموضعين من المنتهى وموضع من المدارك فقالا إن الاستحباب حكم شرعي فيتوقف على الدليل الشرعي كسائر الأحكام الشرعية وزاد الثاني فقال وما قيل من أن أدلة السنن يتسامح فيها بما لا يتسامح في غيرها فمنظور فيه الثاني أنه يجوز ذلك وهو للشهيدين في الذكرى والدراية وابن فهد في عدة الداعي والمحقق الخوانساري في المشارق والفاضل الخراساني في الذخيرة والفاضل البهائي في الوجيزة والأربعين وجدي ووالدي العلامة للأولين الأصل والعمومات المانعة من العمل بغير العلم وما دل على الشرائط التي ذكروها لخبر الواحد من نحو قوله تعالى إن جاءكم فاسق إلى آخره ويندفع جميع الوجوه المذكورة بما سيأتي من الدليل على جواز التسامح فالمستند في الحكم بالاستحباب والكراهة هو هذا الدليل لا الرواية المفروضة كما صرح به في المشارق فقال أورد عليه أن الاستحباب أيضا حكم شرعي كالوجوب فلا وجه للفرق بينهما وأجيب بأن الحكم بالاستحباب فيما ضعف مستنده ليس في الحقيقة بذلك المستند بل بما رواه ثقة الإسلام ثم نقل الروايات الآتية وأشار إلى هذا الجواب الفاضل البهائي في الوجيزة والأربعين وللآخرين وجوه أيضا منها ظهور كلام جماعة في دعوى الإجماع والشهرة على ما صاروا إليه ففي عدة الداعي بعد نقل الروايات التي يأتي إليها الإشارة إن شاء الله فصار هذا المعنى مجمعا عليه بين الفريقين وفي الذكرى أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم وفي المشارق قد اشتهر بين العلماء أن الاستحباب إنما يكتفي فيه بالأدلة الضعيفة ثم قال في جملة كلام له لكن اشتهار العمل بهذه الطريقة بين الأصحاب من غير نكير ظاهر بل بين العامة يجرئ النفس ويشجعها عليه لعل الله تعالى يقبل عذرها وفي كتاب الرعاية للشهيد الثاني جوز الأكثر العمل بالخبر الضعيف في نحو القصص والمواعظ وفضائل الأعمال لا في صفات الله وأحكام الحلال والحرام وهو حسن حيث لا يبلغ الضعف حد الوضع والاختلاف لما اشتهر بين العلماء المحققين من التساهل في أدلة السنن وليس في المواعظ والقصص غير فحص الخبر وفي الوجيزة للبهائي قد شاع العمل بالضعاف في أدلة السنن وإن اشتد ضعفها ولم ينجبر ثم قال وأما نحن معاشر الخاصة فالعمل عندنا ليس بها في الحقيقة بل بحسبه من سمع إلى آخره وهي ما تفردنا بروايته وفي الأربعين له بعد نقل بعض الروايات هذا هو سبب تساهل فقهائنا في البحث عن دلائل السنن وفي الوسائل هذه الأحاديث سبب تسامح الأصحاب وغيرهم في الاستدلال على الاستحباب والكراهة بعد ثبوت أصل المشروعية وفي كلام بعض الأجلة العلماء المحققون يتساهلون كثيرا في أدلة السنن انتهى لا يقال نمنع من كونه اتفاقية لما عرفت من وجود الخلاف بل يمكن دعوى اتفاق أكثر الأصوليين عليه حيث أنهم لم يصرحوا بجواز التسامح واعتبروا شروطا معلومة في خبر الواحد على الإطلاق من غير تفصيل بين الأحكام الخمسة ولو كان هناك تفصيل وجواز تسامح في أدلة الاستحباب والكراهة لنبهوا عليه لداعي الحجة الضرورية إليه ولو سلم شهرة القول بجواز التسامح فنقول الشهرة ليست بحجة هذا وقد حكي عن بعض الفضلاء أنه أول القول بالتسامح بأن المراد أنه إذا ورد حديث معتبر في استحباب عمل وورد حديث ضعيف في أن ثوابه كذا وكذا جاز العمل بذلك الحديث والحكم يترتب ذلك الثواب على ذلك الفعل قال وليس هذا الحكم أحد الأحكام الخمسة التي لا تثبت بالأحاديث الضعيفة وعن آخر تأويله بأن المراد أنه إذا دل حديث صحيح وضعيف على استحباب عمل جاز للمكلف حال العمل ملاحظة دلالة الضعيف أيضا فيكون عاملا به في الجملة لأنا نقول المناقشة المذكورة ضعيفة لأن وجود الخلاف ممن أشرنا إليه في صدر المسألة لا يقدح لشذوذه على أنه قيل رجع صاحب المدارك عما قاله في مواضع من كتابه وهو جيد وأما العلامة فلا يمكن استفادة الخلاف منه لجواز كون قصده فيما ذكره إلزام المانع من التسامح سلمنا ولكن الإجماعات المحكية المتقدمة أصرح دلالة مما ذكروه فيجب تقيده بها خصوصا مع اعتضادها بمشاهدة سيرة الأصحاب حتى العلامة وصاحب المدارك في الفقه